الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
185
الأخلاق في القرآن
المؤمنين عليه السلام ، أنّه قال : « العَسَلُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ وَلا داءَ فِيهِ يُقِلُّ البَلْغِمَ وَيُجَلِّي القَلْبَ » « 1 » . النّتيجة : تبيّن ممّا ذكر آنفاً ، العلاقة الوثيقة بين الغذاء والروحيّات والأخلاق ، ونحن لا ندّعي أبداً أنّ الأكل والغذاء هو العلّة التّامة لبلورة الأخلاق ، ولكنّه يمثل عاملًا مُساعداً في ذلك ، بحلاله وحَرامه ، وأنواعه . ويقول علماء العصر الحاضر ، أنّ السّلوكيات الأخلاقية عند الإنسان ، تنطلق من خلال ترشّح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان ، والغُدد بدورها ، تتأثر مباشرةً بما يأكله الإنسان ، وعلى هذا الأساس ، فإنّ لحومَ ، الحيوانات تحمل نفس الصّفات النفسيّة الموجودة في الحيوان ، فالضّواري تفعّل فِعْلَ عناصر التّوحش في الإنسان ، والخنزير يذهب بالغيرة عند الإنسان ، وهكذا فإنّ لحم أيّ حيوان ، يخلف بصماته على روح آكله مباشرةً ، وينقل إليه صفاته . هذا من الناحية الماديّة الطبيعيّة ، وأمّا من الناحيّة المعنويّة ، فإنّ أكل الحرام يُظلم الروح والقلب ، ويُضعف الفضائل الأخلاقيّة كما تقدم . وأخيراً نختم هذا البحث ، بنقل قصّةٍ تاريخيةٍ نقلها المسعودي في مروجه ، فقال : نقل عن الفضل بن الرّبيع أنّ « شريك بن عبد اللَّه » ، دخل يوماً على « المهدي » ، الخليفة العبّاسي في وقتها فقال له المهدي العباسي : « أي شريك » ، أعرض عليك ثلاثة أمور ، عليك أن تختار إحداها ، فقال ما هي ؟ ، فقال له : إمّا أن تقبل منصب القضاء ، أو أن تعلّم ابني ، أو تأكل معنا على مائدتنا ، ففكّر شريك قليلًا ، وقال إنّ الأخيرة أسهلها ، فحجزه المهدي ، وقال لطبّاخه ، حضّر له أنواعاً من أطباق أمخاخ الحيوانات ، المخلوطة بالسّكر والعسل . فعند ما أكلَ شريك من ذلك الطعام اللّذيذ ، « وطبعاً الحرام » ، قال الطبّاخ للمهدي ، إنّ هذا
--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 63 ، ص 394 .